محمد علي التهانوي
مقدمة 50
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم
وتبيّن أنّ التهانوي كثيرا ما ينتقل في شرحه من العربية إلى الفارسية ، لكن الجلي في شروحه الفارسية أنّه قد تعلم هذه اللغة وليس هو ابنها ، ويستدل ذلك من بعض الأخطاء أحيانا أو المبالغة أو البساطة تارة والتعقيد طورا . بل حوّرت أحيانا بعض الألفاظ ، والمعروف أنّ أصلها هندي ، ولا سيما أن الكاتب هندي . فيستفاد من ذلك أن التهانوي غريب عن الفارسية وأتقنها كما حاله مع العربية ، ومع الفارق بين اللغتين لجهة تملكه نواصي العربية . لكن النقل من الفارسية إلى العربية تحصّل يسيرا من غير صعوبات لتشارك اللغتين في المعنى ومساهمتهما معا في الحضارة الاسلامية . أما الصعوبات المتعددة فقد تأتّت عند نقل المصطلح من العربية إلى الأوروبية . فعلى الرغم من أنّ جزءا من ذاكرة الحضارة الغربية جاء من الحضارة العربية ، حين كانت هذه تحتضن شتى العلوم ، إلا أنّ هوة شاسعة زادت من الفصل بينهما تباعا . حيث تغيرت كثيرا المعطيات العلمية ، وطريقة فهم الأشياء . ففي الطب مثلا بقي عدد من أسماء الأمراض على حاله وتغيّر العديد ، أما في الأدوية وتصنيفها ، وإن احتفظت بشيء من قدمها ، فقد تغيرت كثيرا . وفي علم الهيئة والفلك أخذ التنجيم حيّزا هاما في الموسوعة ، بينما لم يعد مهما في أوروبا ، حيث ظهرت مصطلحاته . وتبدّلت النظريات الفلكية وقياس أبعاد الكواكب كليا . وممّا تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد مثلا أنّ علمي الرمل والجفر قد اختفيا تماما من المصطلح العلمي المعاصر ، بينما كان لهما اعتبار مرموق في الكشاف . ولم يخل الأمر من مفاجآت إبّان الترجمة ، إذ يوجد مرض ما أو انحراف حسابي لا وجود لمقابل له في الأوروبية ، ممّا يدفع إلى جهد جهيد للتفتيش والاستنباط أحيانا . وربما وجد مصطلح متعارف عليه كلفظ محمولات الذي درج في المنطق عند العرب ، لكن اصطلح عليه آنذاك على غير ما تعارفنا عليه . حيث دلّ على دواء خاص وطريقة استعمال ، وربما قابل ما ندعوه اليوم « تحميلة » . وأخيرا فمن صعوبات الترجمة ما أدخله المتصوفة بقوة على المصطلحات الشرعية والعلمية من دلالات لا تخصّ معناها الأصلي . حيث استخدموا المصطلحات عينها بعد تحويرها جزئيا أو كليا عن حقلها الدلالي واعطائها معنى من عندياتهم ومن لدن تبدّياتهم . وليس أمام الناقل إلا التمعّن في ذلك وعدم تجاهله وتخيّر المقابل السليم المعبّر .